في عمق بلاد الحرمين وفي المبتعثين وصفوة المجتمع  الفكري كان للشيخ القاً وتأثير

مقال جريء ، للدكتور أحمد التويجري :

رحم الله الدكتور #حسن_الترابي رحمة واسعة ، كان مفكراً ثائراً وداعية مؤثراً وفقيهاً دستورياً من الطراز الرفيع. كانت حياته سجلاً حافلاً من الإنجازات الدعوية والفكرية والإصلاحية وإن لم تخل من بعض الإخفاقات الكبيرة. تمنيت لو أنه تفرغ للعمل الفقهي والفكري ولم يدخل في متاهات الصراعات السياسية التي شغلته عما كان مؤهلاً له وكانت الأمة في مسيس الحاجة إليه.

أعظم إنجازاته في نظري كان تصديه بالمجادلة الفكرية الإسلامية للمد الإلحادي الشيوعي في السودان أيام سطوة الماركسية اللينينية وأيام كان الحزب الشيوعي السوداني أكبر الأحزاب الشيوعية في العالم العربي. قاد من ساحات جامعة الخرطوم واحدة من أهم وأكبر الحركات الإسلامية الإصلاحية في التاريخ الحديث ، وكان من أهم إن لم يكن أهم مَن أسهموا في التصدي للخرافات والبدع والإلحاد في المجتمع السوداني الذي كانت تهيمن عليه الطرق الصوفية والمشيخة التقليدية من جانب ، والمد الشيوعي والإشتراكي من جانب آخر.

كان يرى أن الأمة في حالة غيبوبة بعد قرون من التخلف وأنه لا سبيل إلى إفاقتها إلا بتعريضها لصعقات فكرية متتالية ، ولعل ذلك ما يفسر بعض مواقفه الصادمة التي فاجأ بها كثيرين سواء في المجتمع السوداني أم خارجه. شنع عليه بعض خصومه الإسلاميين بسبب تلك المواقف ولكن من عرفوه عن قرب كانوا يدركون مقاصده الحسنة وغاياته النبيلة التي كانت تتعدى بمسافات فلكية القضايا الفقهية التي أثارها. ألقى محاضرة في كلية الشريعة بالرياض في أواخر الستينات الميلادية عن التوحيد والإيمان أذهلت من حضرها من العلماء وطلبة العلم بعمقها وتجديدها وبخاصة ما تضمنته من تحليل غير مألوف عن تجليات الشرك في الجوانب الاقتصادية والمالية. وفي أواخر السبعينات حضرت له محاضرة في جامعة إنديانا في الولايات المتحدة الأمريكة أثناء انعقاد المؤتمر السنوي لاتحاد الطلاب المسلمين كانت حول التجديد في الفقه الإسلامي ، عرض فيها إشكالية من يسلمن في المجتمعات الغربية ويبقى أزواجهن على مسيحيتهم أو يهوديتهم ، وتساءل عن إمكانية الإفتاء لهن بعدم الانفصال عن أزواجهن في ظل الظرف الزماني والمكاني الذي هن فيه وفي ظل مقاصد التشريع وغاياته. قدم أطروحته وعرض مبرراته لضرورة إعادة النظرباقتدار فريد. ثارت ثائرة كثيرين ممن حضروا وهاجمه بعضهم بقسوة شديدة ولكن ابتسامته لم تفارق وجهه ، ولا أنسى قوله لشاب متحمس اعترض عليه بألفاظ قاسية بعد المحاضرة وكان يغلي غضباً : “يا بني ثورتك هذه تسرني ومجادلتك لي تحقيقٌ عملي لبعض ما أردته من محاضرتي وأملي أن يمتد حماسك وتفاعلك إلى الأمة كلها” .

كان حافظاً للقرآن الكريم متدبراً لآياته ، وقد أعانه ذلك في تأصيل كثير من رؤاه وأطروحاته . كتاباه “ألصلاة عماد الدين” و “الإيمان وأثره في الحياة” كانا من بواكير مؤلفاته و كان لهما أثر كبير وعميق في تنوير وتجديد صلة كثير من الشباب بقضايا الإيمان والعبادات ، وكان كتابه “المرأة بين تعاليم الدين وتقاليد المجتمع” خطوة متقدمة في مسيرة تجديد فقه المرأة في الفكر الإسلامي الحديث ، وما من شك في أن سفره المتألق وأحد آخر مؤلفاته الذي عنوانه “التفسير التوحيدي” سيحتل مكانة مرموقة بين التفاسير الموضوعية للقرآن الكريم. كانت إجادته رحمه الله للغات الإنجليزية والفرنسية والألمانية معينة له في استيعاب التجارب الغربية ومعرفة جوانب القوة والضعف فيها ومكنته من فهم أصول الفلسفات الغربية فهماً عميقاً لم يتح لكثير من أنداده. سيذكره التاريخ فقيهاً دستورياً مجدداً ، ومناضلاً كبيراً من أجل الحرية ، ومدافعاً أصيلاً عن المرأة وحقوقها التي كفلها الإسلام ، ومحرضاً مثابراً على التفكير وإعمال العقل، وقد فقد السودان بموته رمزاً من رموزه الكبيرة ومفكراً مستنيراً من الراسخين في العلم ، بل دفن السودان بعضاً من روحه معه ، رحمه الله رحمة واسعة وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء ، وأنزله منازل الصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.

د. أحمد بن عثمان التويجري

image

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s